عبد الوهاب الشعراني
290
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد أجمع أشياخ الطريق على أن كل مريد وجد الخبز فقال آكل خبزي بإيش لا يجيء منه شيء في الطريق . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به إلى الحضرات التي يعلم منها العبد ماللّه تعالى عليه من الحقوق حتى يصير يرى للّه المنة عليه الذي لم يخسف به الأرض فضلا عن تسخير الأرزاق التي تهواها نفسه ، فإن حكم أمثالنا في تعدية حدود اللّه تعالى كحكم العبد الذي فسق في حريم سيده ودخل سيده عليه وهو يفعل الفاحشة في زوجته ، فهل يقدر مثل هذا إذا دفع له سيده رغيفا حافا يابسا أن يرده عليه ويقول ما آكل إلا بأدم من لحم أو عسل أو جبن ونحو ذلك ، لا واللّه لا يستحق الخبز اليابس ؛ ولا يقدر سيده على نفسه أن ينظر إليه فضلا عن كونه يطعمه ، هذا حكم أمثالنا مع الحق وهو معنى قوله تعالى : وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ [ آل عمران : 77 ] . فكم وقع العبد في الزنا في إماء اللّه وهو تعالى يراه ؛ وكم سرق ، وكم سكر وكم نظر إلى ما لا يحل ، وكم أكل حراما ، وكم استغاب إنسانا ، وكم قذف أعراضا ، وكم شهد لأصحابه زورا وكم قطع رحما ، وكم عق والدا ، وكم أكل مال يتيم ، وربما اجتمعت هذه الصفات كلها في عبد فمثل هذا إنما يستحق النار . وفي البخاري « أن رجلا في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبس حلة وتبختر فيها فخسف اللّه به في زقاق أبي لهب فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة » وهذه الصفات أقبح من التبختر بيقين ، فهي أحق بأن يخسف بصاحبها ، وإذا علمت ذلك فلا ينبغي لمن جعل نفسه قدوة أن يطبخ ألوان الطعام في هذا الزمان لقلة وجود ذلك من وجه حلال ، بل رأيت بعضهم له عمامة صوف وجبة صوف وله سراري وزوجات لا تصلح إلا للأمراء ويطبخ ألوان الطعام أكثر من بعض أركان الدولة ، فنظرت في أمره فإذا هو يأخذ هدايا الظلمة وصدقاتهم على اسم الفقراء ويتزوج بها ويتسرى ولا يعطي الفقراء شيئا فمثل هذا شيخه إنما هو إبليس . وبالجملة فكل شيخ تخصص عن فقراء زاويته بشيء دخل على اسمهم ولو بالقرينة ، فليس له في المشيخة نصيب ، وإنما هو نصاب كما أوضحنا ذلك في عهد شيخ الزاوية في عهود المشايخ ، واللّه تعالى أعلم . فاقنع يا أخي فيما بقي من عمرك ولو بكسر خبز الشعير المدشوش على الرحى من غير أدم ، واستح من اللّه الذي أطعمك ذلك ولم يعذبك بالنار في الدنيا ولم ينزل عليك البلايا ، ومن استحق النار فصولح بالرماد لا ينبغي له إلا الشكر . وقد قالوا مرة لسيدي علي الخواص : رأينا شخصا من حملة القرآن ، يفعل معصية فتعجب من ذلك كل العجب ، ثم قال : واللّه لا ينبغي لحامل القرآن أن تغلبه نفسه على الشهوات المباحة ، فكيف غلبت هذا نفسه على شهوة محرمة ، ثم قال لي : باللّه إيش يستحق هذا من اللّه تعالى ، واللّه إن مثل هذا خارج إلى طبع البهائم ولكن سبحان الحليم